Categorized | Home

الأرثوذكسية والديانة الأرثوذكسية

صورة الغلاف: فالتر باوِر

مقدمة

تحياتي. كنت قد بدأت الحديث في التدوينة السابقة (للقراءة اضغط هنا) حيث انتهيت بموضوع علاقة اللاهوت الأرثوذكسي والكنيسة الأرثوذكسية. أود اليوم أن أدوّن قراءة لهذا الموضوع لأسلِّط  الضوء عليه بصورة أكبر. بعض النقاشات التي دارت بعد التدوينة السابقة قد واجهت صعوبة في تحديد نقاط النقاش داخل المقال، لذلك سأحاول ترقيم وفصل الأفكار حتى يسهل استدعاؤها أثناء النقاش. ايضاً، تلبية لطلب الأصدقاء، سأُضيف بعض الكتب في نهاية المقال.

الأرثوذكسية المبكرة

-1-

كتب أستاذ المسيحية المبكرة Walter Bauer منذ حوالي نصف قرن كتاباً كان له تأثير كبير في طريقة تفكير وبحث علماء الكتاب المقدس، وهو كتاب Orthodoxy and Heresy. لم يأتِ الكتاب بجديد من ناحية المعلومة بقدر ما شرح المعلومات التي لدينا واستخلص منها استنتاج هام مفاده أن الأرثوذكسية لم تكن ترتبط بمعتقد جامِع للمسيحيين بينما الهرطقة (من مظور مفهوم الأرثوذكسية الآن) تمثل الصوت الناشذ المختلف. لقد كان التنوع في القرنين الأول والثاني يمنع وضع قراءة محددة فوق الأخرى من حيث الصحة.  كان للكتاب تأثير في طريقة تفكير باحثي العهد الجديد والمسيحية المبكرة لأن الخط العام سابقاً كان يسير في اتجاه دراسة الأناجيل القانونية ورسائل العهد الجديد، وإن كان هناك الوقت يمكن النظر بصورة أقل أهمية للكتابات المسيحية الأخرى. إلا أن الأمر تغير بعد الحرب العالمية الثانية حيث صاحب الكتاب المذكور سلسلة اكتشافات بالغة الأهمية (أهمها مخطوطات البحر الميت ومخطوط نجع حمادي). أعاد الأمر النظر في طريقة التفكير التي تتخذ من الأسفار القانونية نقطة انطلاق لها، فوجد باحثون كثيرون في الكتابات “الغير قانونية” دلائل ومعلومات عديدة تساعد على فهم أصل النصوص والكتابات التي صارت لاحقاً كتابات قانونية. ومع ازدياد معرفتنا بالنصوص ومدى انتشارها صارت “الأرثوذكسية” و”الهرطقات” على قدم المساواة من حيث  الوجود والإنتشار وبالتالي بات الحكم بأرثوذكسية نص وهرطقة آخر مسألة خاضعة لقراءة الشخص ومنظوره بدلاً من أن تكون حقيقة تاريخية.

ليس الأمر كذلك على الصعيد “القانوني – الغير قانوني” ولكن في داخل نصوص العهد الجديد “القانونية” نفسها. إن تطور الداراسات النقدية، في ضوء المعرفة الأفضل التي وفرتها لنا الإكتشافات الكثيرة في القرن العشرين، جعلت رؤيتنا للتعاليم المختلفة والتفاسير العديدة لحياة يسوع داخل الأناجيل نفسها تختلف عن الرؤية التوفيقية التي تهدف للتوفيق بين الأحداث ومعانيها لإيصال تصور محدد “أرثوذكسي” أحادي التوجه على طول النصوص من انجيل متى حتى الرؤيا.

هذا لا يعطينا “مسيحيات Christianities” بل أن هناك خطوط عامة تجعل من المعتقد معتقداً مسيحياً ثم تأتي قراءات عديدة محتلفة ومدونة في رسائل وأناجيل، إلا أنها تظل قراءات، وليست الحقائق نفسها. فهناك معلومات أساسية تقف خلف نشوء ما يُسمى بالحركة المسيحية الأولى The Jesus Movement(s)x. تلك الحركة، أو الحركات المسيحية، كانت رد فعل لحدث تاريخي مفصلي وهو أن يسوع الناصري أ.مات على يد السلطات الرومانية  لأنه ب. أعلن عن حياة جديدة سُميت اصطلاحاً “ملكوت الله” ثم ج. اختُبر حياً. رد الفعل هذا تجسد في تشكيل تجمعات منتسبة ليسوع حاولت فهم ما قاله عن الحياة الجديدة وتطبيقه في حياتها الإجتماعية، التي شكلت ما يُعرف لاحقاً بالكنائس. أشهر وأقدم التجمعات هي الجماعة الجليلية (حيث كان يسوع) التي حفظت لنا أكثر أقواله. في نفس الوقت كانت هناك مجموعات أخرى في اماكن أخرى انتشرت سريعاً في إطار الوجود اليهودي الواسع في الإمبراطورية.

 

-2-

ما تُرك عن يسوع بعد رحيله لم يكن كافياً لتأسيس ديانة بكتب مقدسة وتعاليم محددة تنظم الحياة، لقد كانت مهمة يسوع بسيطة جداً: نحن أمام لحظة فاصلة في التاريخ حيث أعلن الله عن حبه وأبوته وعلينا أن نحدد موقفنا من هذا، و”هذا” سيتجلى في موقف الجماعة مما حدث ليسوع: موته وحياته اللاحقه (قيامته). فقط. لهذا، فإن يسوع ترك فراغاً كبيراً لا يملأ (دين)، فلم يترك كتاب أو شريعة أو تنظيم أو حدود.

ملئاً لهذا الفراغ تنوعت ردود الفعل بحسب خلفية واحتياجات الجماعات المسيحية مما أثر على فهمها لما ورد لها من نصوص متناثرة منسوبة ليسوع. بولس الرسول وكنائسه أسقطت من حساباتها أولوية أقوال وتعاليم يسوع، لهذا نادراً ما نجد اشارات لنصوص أقوال يسوع، وركز على ما حدث له (الصلب والقيامة) وهو ما عُرف بالتعليم الأساسي عن الرب Kerygma of the Lord والموجود نصاً في نهاية الإصحاح الخامس عشر من رسالته الأولى لأهل كورنثوس، وهو أيضاً ما أسماه لاحقاً بالإنجيل Evangelion. وليملأ الفراغ المحيط بصلب وقيامة يسوع، قدم بولس منظومة كاملة متكاملة من التشريع والفكر المبني على خلفيته اليهودية، ولهذا أطلق عليه الكثير أنه أول لاهوتي نظامي في التاريخ.

النقيض الآخر هو الجماعات التي ملأت الفراغ بطريقة أخرى: ركزت على الأقوال مقدمةً إياها كأقوال حكمية Sapiential sources ، وهي بالتحديد ما هاجم بولس في نفس الرسالة المذكورة التي قدم فيها اصداره من المسيحية الKerygmatic ، وذلك عن طريق تفريغ أقوال يسوع من رسالتها الإسخاتولوجية لتقدمها كأحكام عامة لا ترتبط بالضرورة بإطار تاريخي أو حدث معين فاصل (مهمته التاريخية التي افتتحت ملكوت الله)، فصارت تقدم نصوص من الحكمة Wisdom Sayings (مثل توماس والمصدر Q).

بين طرفيّ النقيض بولس وتوماس نجد طيفاً من الكتابات التي استخدمت المواد معاً ، ولكن في نفس الوقت حافظت على نفس السلوك: ملء الفراغ الذي تركته رسالة يسوع البسيطة التي لا تملأ ديناً. هذا نجده فيما لدينا من نصوص تسبق دمار الهيكل الذي كان له بالغ الأثر (بالمناسبة هذا هو موضوع أطروحتي). مع اتساع وتعقيد الدراسة للنصوص بحسب إطارها الإجتماعي  Life-setting وجد العلماء الأسباب التي تشرح لماذا هناك نصوصاً متناقضة في الأناجيل، كالملكوت الذي أتى والسلام الذي يحل والملكوت الذي سيأتي بعد أحداث كونية مخيفة، بين ابن الإنسان الذي أتى وابن الإنسان الذي سيأتي، بين الحاضر والمستقبل، بين تفسير لاحق لمَثَل يختلف عن تفسير انجيل آخر لنفس المَثل، وكلا التفسيرين موضوعين على لسان يسوع، كيف وجد لوقا أن نصوص مرقس تجيب بطريقة لا تتفق مع ظروف مجتمعه فينقلها بحذر ويحذف منها ما لا يتسق مع احتياجات هذا المجتمع… إلخ. إن ملء الفرغ، بالإجابة عن أسئلة المجتمعات المسيحية الناشئة، انعكس على تشكيل الأناجيل ونصوصها.

-3-

هنا يأتي السؤال: هل كل هؤلاء ثُلّة من المزوّرين المٌفبركين لمسيحيات من مخيلاتهم؟ أين الأرثوذكسية (أي الإستقامة) في هذه الغابة من الكتابات المعقدة التركيب؟ لا. المزوِّر هو من يغيّر شيء أصلي لديه، لم يترك المسيح أصولاً ليغيرها أحد بل استُخدمت التقاليد المتشرذمة عن يسوع في قوالب مختلفة ولا أعتقد أن يسوع نفسه قد يفاجأ لذلك. فإن كان لأقوال يسوع وأفعاله ظروف تاريخية محددة يجب أخذها في الإعتبار إلا أن تطبيقها مرتبط بالمجتمعات التي يمكن أن تربط حالتها بحالته (بالمناسبة، كانت أطروحة الماجستير عن تعليم يسوع عن ملكوت الله وكيفية استخدامه في الحالات السياسية والإجتماعية المعاصرة).

إذاً أين الأرثوذكسية؟ إذا كانت الأرثوذكسية هي تعليم يسوع فتعليم يسوع موجود داخل طبقات من الظروف التاريخية والإجتماعية التي شكلت المواد التي تحمل تعاليمه، إلا أنها في بساطتها تتسع لكل ذلك. أما استخدامها وقراءتها فهي مفتوحة ومتعددة بأشكال وطرق مختلفة. أن يتكلم مرقس عن حتمية دمار الهيكل لنجاسته وتلوثه بدم الشهيد  بينما لوقا لا يذهب لهذا الإستنتاج ، فهي تعددية في القراءات والإجابات للسؤال: ما معنى أن يأتي يسوع وماموقفنا الآن من الهيكل، حيث رجاء مجيء الله مرتبط به كما في كتب الأنبيا؟ إنها إجابات لأسئلة مفتوحة، وجدت كلها طريقها لمجلد واحد اسمه العهد الجديد لم يجد معها الأجياء المسيحية الأولى غضاضة في قبولها كلها معاً.

أمران حتميّان: التعددية والدين

-4-

تعددية:فلو كانت الأرثوذكسية هي رسالة يسوع فهي ليست قراءات وانما الرسالة نفسها .. واليوم الكنائس أيضاً أوجدت عدة إجابات على الأسئلة المفتوحة في أمثال يسوع، فهل أحدها أورثوذكسي والأخرى لا؟ إن كان الأمر كذلك فعلينا إذاً ألا نقتضي بالتعددية والبساطة التي كانت عليها التجمعات المسيحية، والتي تجلت في نصوصهم التي نتخذها مرجعاً. إن التوفيق بين النصوص كحل للإلتباس هي حالة رعوية فاشلة وغير مرتبطة بالواقع والحقيقة، التعددية حتمية. كل محاولات استصدار انجيل موحد ينسّق المواد معاً (أشهرها الدياتيسارون لتاتيان) باءت بالفشل ولم يبقَ إلا التعددية. ثم جاءت الطوائف وحاولت اخضاع بعضها، وكلها قاطبةً فشلت. التعددية هي نتاج طبيعي وحتمي لما قدمه يسوع.

الدين: الدين ظاهرة طبيعية اجتماعية لا يمكن تفسيرها إلا في هذا الإطار. أن يكون لديك شريعة تنظم العلاقات وتضع المفاهيم العامة بمرجعيات محددة (بشر وكتب) فهو أمر حتمي لا يمكن بدون تنظيم الجماعات التي تشترك في معتقدٍ ما. الدين غير مرتبط فقط بالمعتقد الميتافيزيقي وإنما أحياناً يكون ضرورة سياسية تعطي الغير ميتافيزيقي بعداً ميتافيزيقياً، كما هو الحال في أديان النظم السياسية كالدولة الرومانية. القيصر كان قيصراً ثم تأله وليس العكس، فصاحب ذلك عبادات محددة يتوقف عليها السلام الإجتماعي بحسب رؤية ذلك القيصر. ليس لدينا دليل أن يسوع ترك وراءه ديناً بل العكس صحيح. فكانت استجابات الجماعات المسيحية للحالة الجديدة الذين يعيشونها حول ذكرياتهم عن “الرب” تؤول بطبيعة الحال لإيجاد ديانة بديلة للديانات الموجودة والتي لا تتسق مع معتقداتهم، وعلى رأسها الديانة الرومانية بما فيها من أسس اجتماعية وطبقية وسياسية.

مع تطور الأوضاع التاريخية، صارت الديانة المسيحية هي الرسمية وصار المفهوم الأرثوذكسي للمعتقد أيضاً مرتبطاً بالسلم الإجتماعي والسياسي، ولذلك كان موقف المسيحيين من المجامع المسكونية له تبعات جنائية كالنفي والإعتقال، بل وأحياناً الإعدام نظراً لأن الإعتراف بهذه العقيدة أو تلك قد يؤثر على الأمن القومي للإمبراطورية.

لهذا صار هناك منظومة متكاملة كالكهنوت ، الإفخارستيا، لاهوت المسيح مُعبّراً عنه بأدوات سياسية وكوزمولوجية (الرب ، واللوغوس) ، إلخ. وصارت التفاسير والقراءات الفراغات المملوءة التي تكلمنا عنها عقائد ، والعقائد حينما تتضارب لا يمكن أن تتواجد معاً، فعلى أتباع تلك أن يُقصوا أتباع الأخرى، وكانت الآليات كالكهنوت وليدة الأوضاع الجديدة. هنا ظهرت الأرثوذكسية كديانة كل تفاسيرها وتفاصيلها (مفهوم الخلاص، مفهوم الأسرار …إلخ)  التي كانت سابقاً مجرد اجتهادات لتنظيم حياة الجماعات صارت منسوبة مباشرةً إلى نفس المرجع الذي لم يضعها، وهو المرجع المُطلق: أي المرجع الإلهي، يسوع (الكلمة).

أين المشكلة؟

ليست المشكلة إذاً في صناعة الدين الأرثوذكسي، نظراً لحتميته، لكن الأزمة هي في الفشل في التمييز بين المنظومة الإجتماعية أو اللاهوتية من ناحية، والرسالة العُظمى البسيطة التي تتسع للقراءات المختلفة من جانب آخر. هنا يكون الدين واقعاً في حالة تزوير حينما يتسلط ويُخضع وينسب زوراً القراءة البشرية لله دون إحداث تكامل بينهما، وهذا بالتحديد ما صنع كل آلام التاريخ المسيحي حتى اليوم.

فاللاهوت الأرثوذكسي هو الأرثوذكسية منزوعة السلطة ومنزوعة تأليه الفكر البشري، وهي بذلك تكون منفتحة وموجودة للكل، دون تمييز.

سنكمل هذه النقطة في قراءة قادمة عن اللاهوت الأرثوذكسي

تحياتي

VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 8.2/10 (5 votes cast)
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0 (from 0 votes)
الأرثوذكسية والديانة الأرثوذكسية, 8.2 out of 10 based on 5 ratings

Comments are closed.


October 2017
M T W T F S S
« Nov    
 1
2345678
9101112131415
16171819202122
23242526272829
3031