Categorized | Home

الأرثوذكسية (3) يسوع والأرثوذكسية

مساء الخير

أكتب الآن تدوينتي الأخيرة في موضوع الأرثوذكسية، وهي أيضاً تدوينتي الأخيرة لهذا الفصل الدراسي قبل إجازة الميلاد. أود أولاً أن أشير إلى أن هذه التدوينة تهدف لمناقشة مسائل أثيرت لاحقاً على إثر التدوينتين السابقتين.

المسيحية والتاريخ

في العام 1953 اجتمع أساتذة وباحثون من جميع أنحاء ألمانيا في قاعة قديمة بجامعة ماربورج. كان الجامع بين الباحثين هو انتماؤهم لما يُسمى بالتيار البولتماني (أي الذين تتلمذوا على يد رودلف بولتمان قبل الحرب). كانت المشكلة التي وضعها بولتمان قبيل الحرب هي أن الدراسة التاريخية لنصوص الأناجيل لن تنجح في فصل ما هو “لاهوتي” عما هو “تاريخي.” بمعنى آخر، في كل جوانب الأناجيل سنجد أن يسوع يتم تقديمه ليس فقط من خلال ما وصل لمؤلف الأناجيل من معلومات ولكن أيضاً المنظور اللاهوتي والعقائدي للمؤلف يؤثر على طبيعة ومحتوى النص مما يجعل التمييز أو الفصل بين الحدث والمعتقد مستحيل. استنتج بولتمان من ذلك أن معرفة من هو يسوع وما هي تعاليمه على وجه اليقين تستحيل وأن الوسيلة لمعرفة يسوع واختباره تكمن في لقائه في الكلمة التي يسمعها المصلي في الخدمة الكنسية يوم الأحد. هذا الإستنتاج كان محل بحث البولتمانيين في ماربوج في الإجتماع المذكور سابقاً.

في حضور أسماء كبيرة مثل جونتر بورنكام، أولريخ فيلكينز وغيرهم، قام أستاذ العهد الجديد إيرنست كيزمان وألقى كلمة عن أهمية التاريخ واستمرار البحث فيه. السبب في ذلك كما قال أنه بالنظر لنتيجة ترك السؤال عن هوية ثابتة ليسوع هو أن الفكر الوجودي سلم يسوع للقراءات الفلسفية المختلفة فصارت النتيجة أن كلاًّ صار يغني على ليلاه ويبني يسوعاً يتسق مع أفكاره. أحد تطبيقات المسألة هو ما قدمه مارتن هايدجر (انظر صورة الغلاف، بولتمان على اليمين وهايدجر على اليسار) قد وفر من التأصيل الفلسفي لهذه الأفكار الوجودية ما التقطته ماكينة النازية الفكرية وصنعت منه يسوعاً آرياً يتسق مع تطلعات أدولف هتلر، والنتيجة معروفة. (بالمناسبة، كان هايدجر في الحزب النازي، وبسببه تم اضطهاد الكثير من اللاهوتيين وحينها خسر صديق عمره بولتمان وكان تصالحهما بعد الحرب بسنين أمراً صعباً ولكنه تحقق في قصة تراجيدية).

وبالتالي، فإن فكرة ترك يسوع للتراكيب الفكرية، الفلسفية والعقائدية سيصنع منه أكثر من نسخة وهمية … فالتاريخ هو الحقيقة وليس القناعات. وعليه، فيجب الإستمرار في البحث والدراسة التاريخية لانتشال يسوع من الأطر الفلسفية التي تُسقط صاحبها فيما يُعرف بال
subjectivism. لاقت محاضرة إيرنست كيزمان صدىً عظيم، ليس في ألمانيا فقط بل في العالم كله. بل إن رودلف بولتمان نفسه تلقاها برحابة كبيرة، وصارت نقطة انطلاق لمرحلة جديدة فيما يسمى بالبحث الجديد عن يسوع التاريخ.

إن الجدل حول قيمة الدراسة التاريخية النقدية لحياة يسوع باتت محسومة بعد العام 1953 وجامعات كبرى في الولايات المتحدة، بريطانيا وألمانيا وفرت من التمويل والدعم ما يكفي لذلك. فالحُجّة مازالت قائمة: هل يمكن أن نثق في قراءاتنا أم علينا أن نستمر في اكتشاف ما يحفظه لنا التاريخ عن يسوع حتى نتعلم منه بدلاً من أن نصنعه؟ وعليه، فقد طور ذلك الجيل أدوات عديدة لفهم كيف تطور التقليد المسيحي عن يسوع في الأناجيل والكتابات المسيحية الأخرى.

ولكن قضية الفصل بين اللاهوتي والتاريخي في النصوص مسألة شديدة الصعوبة وملاحظة بولتمان للأمر مازالت قائمة وإن اختلف العلماء معه بعد ذلك حول سؤال جدوى التاريخي كما ذكرنا. الأمثلة على ذلك كثيرة وذكرنا بعض منها في المقال السابق. إلا أنه في ظل تلك الصعوبة نتعلم أمرين أساسيين، هما مربط الفرس لموضوعنا :

أولاً: بينما يكاد يستحيل معرفة دقائق تفاصيل شخصية يسوع التاريخية، إلا أن الدراسة الحديثة يمكن أن تستخلص الملامح الأساسية التي نحتاجها في غابة النصوص “المتلهوتة” في الأناجيل ، ذكرنا هذه الملامح في المقال السابق.

ثانياً: هذه الملامح اتسعت لتفاسير وقراءات عديدة ، أو بمعنى أدق ترجمات عملية للواقع الإجتماعي والسياسي المختلف لكُتّاب الوثائق المسيحية الأولى (الرسائل والأناجيل وما خلفها من نصوص). وقد تحدثنا عن ذلك أيضاً في سياق تعرضنا لكتاب فالتر باور.

لذلك يظل كتاب رودلف بولتمان Jesus and the Word بالملامح العريضة لشخص ورسالة يسوع، والذي تم تدوينه سنة 1926، قائماً إلا أن الكتابات التالية بعد الحرب العالمية الثانية واللقاء التاريخ المذكور سنة 1953، وفي ظل تطوير الأدوات النقدية فقد دفعتنا خطوة إلى الأمام في فهم التقاليد الدينية التي شكلت النصوص.

مع تزايد توافر النصوص والتقدم الحادث في علوم النقد صارت الإستنتاجات عن “لاهوتية النصوص التاريخية” وعملية دراسة تطور القناعات والأفكار التي شكلتها أمراً واقعاً. في نفس اللقاء كان الشاب هلموت كوستر قد حصل بتوصية من بولتمان على منصب في جامعة ماربورج تؤهله لدراسة النصوص الغير قانونية بجانب النصوص التي لدينا. في العام 1958 حصل هلموت على كرسيه في جامعة هارفارد. حينها حصل هلموت وصديقه جيمس روبنسون على نص انجيل توماس وهناك ازداد العلماء يقيناً من حقيقة أن الأناجيل نقلت ملامح عريضة لشخص وعمل يسوع اتسعت لتفاسيرهم وترجمتهم لحياته لاحقاً (انظر أيضاً المقال السابق في الأمر).  كتب حينها هلموت وصديقه أحد أهم الكتب عن تاريخ تطور الفكر المسيحي في القرن الأول وهو  Trajectories Through Early Christianity. يأتي الكتاب ليوضح الطرق والمسارات المختلفة التي أخذتها الجماعات المسيحية، بعكس الصورة التقليدية في الكنيسة والتي تقول إن هناك مجموعة من التعاليم الثابتة التي وصلت لنا من اجماع الرسل والتلاميذ والكنيسة..إلخ

ولكن ما علاقة ذلك بقضية الأرثوذكسية؟

علينا أولاً أن نقبل بعض مبدأ أساسي كبشر لا كمسيحيين أو مسلمين..إلخ : كبشر نحن نبحث عن الحقيقة  أولاً ثم بعد ذلك نشكل آراءنا وقراءاتنا للأمر وليس العكس. وبالتالي فإن كان هناك مُعلِّم فيجب أن يكون التاريخ الذي نتعلم منه ما حدث ثم نبني استنتاجاتنا. أصل التعصب والصدام هو بالتحديد أن تقلب التراتبية المذكورة (التاريخ أو الحقيقة ثم الرأي). إن العنف الفكري أو الإجراءات الشرسة كالحرم والقطع والنفي والتحريض…إلخ هي وسائل يستخدمها الناس كبديل أو لملء فراغ عدم وجود دلائل أو اثباتات على معتقدهم. كيف يمكن أن يكون 1 + 1 = أي شيء غير 2؟  فإما أن تثبت ذلك أو أن تبحث عن وسيلة تجبر بها غيرك أن يقبل إمكانية أن 1 + 1 = 3 ، وبرغم ذلك لن يكون 1 + 1 = 3 بأي حال!

الخلاف ، إذاً، بين الكنيسة والجامعة حول شخص يسوع ليس خلافاً بين “محافظين وليبراليين” لأنه ليس خلاف آراء أو أفكار وإنما خلاف طرائقي methodological بين من يتقصى التاريخ والعلم من جانب ضد من يحاول أن يجعل من رأيه حقيقة (بالعافية الروحية) من خلال أساطير إجماع التقليد والآباء..إلخ  لأن العلم يثبت لنا أن شخص يسوع التاريخ وعمله يتسع بالطبيعة لفكرة التطبيق والتفعيل وإعادة الترجمة في ظروف المجتمعات المختلفة وبالتالي المشكلة ليست في الرأي حول شخص يسوع بقدر ما هي مشكلة في الأسلوب الذي يقدم هذا الرأي فوق ذلك.

إن العلم، بكل فروعه وإن كان بشكل أوضح في العلوم الإنسانية، لا يوفر رفاهية اليقينية المريحة، كما يعتقد البعض ولكنه أيضاً لا يوفر رفاهية اليقينية المريحة الكاذبة. أتذكر أني كنت أناقش في بوسطن كتاباً عن شخص يسوع لجونتر بورنكام مع أستاذ آباء أرثوذكسي شهير ، وهو أيضاً كاهن.  أثار الرجل نقطتين في حديثنا: الأولى أن يسوع التاريخ فقير في يقيننا عنه بينما يسوع الكنيسة الأرثوذكسية فيه كل شيء وغني ولسنا في حاجة لغيره. النقطة الثانية كانت رد على سؤال لي. سؤالي كان: ماذا لو كنت تعيش في القرن الثالث مثلاً وكان أمامك نصوص ووثائق قديمة وأصيلة ومستقلة عن التقليد الذي تنتمي له (مثل انجيل توماس أو وثائق أخرى)؟ قال لي كنت سأفعل كما فعل الآباء وهو التخلص منها بحرقها أو منع تداولها لأنها مفسدة.  هذا الرجل نفسه حاول بشتى الطرق تعطيل ورقي حتى لا أدرس مع هلموت كوستر المذكور سابقاً خوفاً عليا من السقوط من نعمة الأرثوذكسية كما يراها.

قد يكون هذا الرجل، وهو الرأي الرسمي بالمناسبة لكل الكنائس التقليدية والبروتستانتية المحافظة ولدينا من الوثائق المعاصر الصادرة منها ما يثبت ذلك، أرثوذكسياً بامتياز في المفهوم العقائدي لكنه في رأيي ليس إنساناً مكتملاً في المفهوم الإنساني لأن الأمانة والثقة في الله وفي البحث غير متوفرة في طرحه.

إن كان السماح بالتعددية والدراسة والحرية في التدوين والكتابة عن حياة يسوع متوفرة من حقبة الرسل،  فما بالك عن الحق في التعددية والقبول في سائر الأمور الأخرى؟ لو كانت الأمانة الإنسانية (بمعنى آخر: الدراسة التاريخية) هي عامود خيمة الإيمان بالمسيح لما كنا نحتاج أن نخلق قوالب عقائدية جامدة تقصي بعضها لأنها ببساطة فقد اتصالها بالتاريخ والحقيقة. فالقراءة التاريخية لن توفر قراءة يقينية واحدة ولكن ستقدم ما قدمه يسوع التاريخ: ما تحتاجه من معرفة عن الثقة في الله وأبوته وملكوته، ثم الباقي متروك للتعددية (لهذا لا تجد أساتذة يهينون ويطردون بعضهم من الجامعات لأنهم يعرفون حدود الأمانة واليقين وحتمية التعددية).

أخيراً، أن تكون أرثوذكسياً أو كاثوليكياً ..إلخ فهذا لا يعارض أن تكون أميناً. ولكن أن تكون أرثوذكسياً دينياً يؤمن بأن القراءات الأخرى خاطئة وأن الخلاص مرتبط بالقالب أو المسار الذي صنعه التركيب العقائدي المبني على فرضيات الإجماع الآباءي ..إلخ الأسطورية فأنت لست أرثوذكسياً بمفهوم يسوع التاريخ أو الكنيسة الأولى التي بطبيعتها أسقطت الدين واستبدلته بحياة حرة وقراءات ثقافية متعددة لحقيقة واحدة هي: الرجاء في التماس ملكوت الآب في شخص يسوع الذي لم يكن فكرة وجودية بل حقيقة تاريخية شاهدها الجميع، أو بتعبير أحد الأساتذة: encountering God’s presence in sandals.

تحياتي

مينا

ملحوظة: هذه آخر تدوينة لهذا الفصل وفي إجازة الميلاد سنتكلم عن فرع من اللاهوت يسمى اللاهوت العملي. كل عام وأنت بخير.

VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 10.0/10 (1 vote cast)
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0 (from 0 votes)
الأرثوذكسية (3) يسوع والأرثوذكسية, 10.0 out of 10 based on 1 rating

Comments are closed.


December 2017
M T W T F S S
« Nov    
 123
45678910
11121314151617
18192021222324
25262728293031