Categorized | Home

البروتستانتية (1) المسيحية الاخرى

تحياتي

أود أن أكتب تدوينة واحدة أتحدث فيها سريعا عن عدة نقاط تخص البروتستانتية. كنت قد كتبت 3 مقالات تتحدث عن مفهوم الأرثوذكسية وعلاقتها بالتعددية، ماهي نقاطة قوة وضعف الأرثوذكسية اليوم. في هذه التدوينة لن أتعرض للبروتستانتية بشكل مباشر، تاركاً الأمر للتدوينة القادمة، ولكن سأشارك ببعض النقاط بخصوص مشكلة المنظور الشرقي للمسيحية في الغرب.

« وَقَالَ لِقَوْمٍ وَاثِقِينَ بِأَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ أَبْرَارٌ، وَيَحْتَقِرُونَ الآخَرِينَ هذَا الْمَثَلَ: إِنْسَانَانِ صَعِدَا إِلَى الْهَيْكَلِ لِيُصَلِّيَا، وَاحِدٌ فَرِّيسِيٌّ وَالآخَرُ عَشَّارٌ. أَمَّا الْفَرِّيسِيُّ فَوَقَفَ يُصَلِّي فِي نَفْسِهِ هكَذَا: اَللّهُمَّ أَنَا أَشْكُرُكَ أَنِّي لَسْتُ مِثْلَ بَاقِي النَّاسِ الْخَاطِفِينَ الظَّالِمِينَ الزُّنَاةِ، وَلاَ مِثْلَ هذَا الْعَشَّارِ. أَصُومُ مَرَّتَيْنِ فِي الأُسْبُوعِ، وَأُعَشِّرُ كُلَّ مَا أَقْتَنِيهِ. وَأَمَّا الْعَشَّارُ فَوَقَفَ مِنْ بَعِيدٍ، لاَ يَشَاءُ أَنْ يَرْفَعَ عَيْنَيْهِ نَحْوَ السَّمَاءِ، بَلْ قَرَعَ عَلَى صَدْرِهِ قَائِلاً: اللّهُمَّ ارْحَمْنِي، أَنَا الْخَاطِئَ. أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ هذَا نَزَلَ إِلَى بَيْتِهِ مُبَرَّرًا دُونَ ذَاكَ، لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَرْفَعُ نَفْسَهُ يَتَّضِعُ، وَمَنْ يَضَعُ نَفْسَهُ يَرْتَفِعُ» (لوقا 18: 9-14).

 

مسيحية من نوع آخر

كثير منا شاهد فيديو الأب داوود لمعي الذي قدم فيه طرحاً لمآخذ الأرثوذكسيين على البروتستانتية. لن أناقش هنا هل رأيه صحيح أم لا لأن هذا في النهاية رأيه الشخصي وعلينا قبول حقه في أن يكوّن مثل هذا الرأي. لكنه ذكر مجموعة من المعلومات الشعبوية الرائجة وسط المصريين حينما أراد الحديث عن البروتستانتية، وهنا أود أن أستغل الفرصة لإيضاح بعض النقاط في هذا الصدد.

أولاً، ذكر الأب لمعي أن المسيحية في أوروبا اختفت أو وصلت ل5%. هذا الكلام رائج في كل حتة لأن مفهوم المسيحية عند الأرثوذكسيين عموماً اليوم مرتبط بنسبة الإرتباط بالطقس. هذه الرؤية للمسيحية مرتبطة بمعدلات الفقر والتخلف وانهيار حقوق الإنسان وهذا ليس رأيي وإنما المسألة مرتبطة إحصائياً وجغرافياً بتوزيع المسيحية التقليدية في العالم. أن تكون مسيحياً فأنت محتاج أن تعرف دستور نيقية عن ظهر قلب، تصلي القداس و..إلخ، غير ذلك فأنت ملحد. هذا كان الوضع في أوروبا من 500 سنة، ولكن اليوم هذه المسيحية انكمشت بشدة واستُبدلت بمسيحية الشارع، حيث صارت المسيحية في خلفية وفهم ورؤية الأجيال والمجتمعات الناشئة دون ارتباط بالحيز العقائدي. لهذا فالإنهيار الأخلاقي (زيادة معدلات الجريمة، الجهل، المربض، الإنهيار الأخلاقي على المستوى الفردي من كذب ونفاق..إلخ) متفشية في المجتمعات الطقسية التي منها مجتمع الأب لمعي ولكن ليس في” مجتمعات الملاحدة” لأن هذه المجتمعات الأخيرة قد هضمت الرسالة المسيحية.

في ميونخ كنت أجلس مع إحدى السيدات نتحدث عن ألمانيا وكان يوم أجازة في عيد الصعود وقلت لها من اللطيف أن أرى كيف أن الناس هنا لا يذهبون إلى الكنيسة كثيراً ولكنهم يحفظون كلمات كثيرة من العظة على الجبل ومازالت العطلات الرسمية لديهم عديدة ومرتبطة بحياة يسوع. قالت لي السيدة أن الناس بالفعل لا يمارسون المسيحية الطقسية ولكن المسيحية صارت تسري في عناصر المجتمع الألماني ومكوناته الثقافية والإجتماعية.. قد لا يعرف المواطن الألماني كلمات الصلاة الربية عن ظهر قلب لكنه يعرف أن الدَّين debt في لغته مرادف لكلمة خطيئةSchuld فلا يجب أن يداين الناس حتى لا يكون عليه دَين في حياته (واترك لنا ما علينا كما نترك نحن أيضاً لما لنا عليهم .. كلمة خطيئة كلمة مضافة لاحقاً لإضفاء صبغة دينية صرفة لنص الصلاة الربية).

هذا لا يفهمه الأب لمعي الذي على الأرجح لا يعرف شيء عن طبيعة المسيحية التي على الأرجح ستكون على أرضه وفي بلده بعد خمسين سنة مثلاً لأنه يعيش ما كانت أوروبا عليه في القرن السابع عشر.

ولكن هل الاعتراف بالله وبيسوع مرتبط بالطقوس؟ هنا يشترك الأب لمعي مع ريتشارد دوكنز في مفهوم المسيحية. كنت ذات مرة أحضر مناظرة في جامعة كامبريدج وكان فيها ريتشارد دوكنز ومؤلف كتاب أثار جدلاً في انجلترا اسمه Cole Moreton. الكتاب بعنوان: Is God Still an Englishman?

جاءت المناظرة بعد صدور الإحصائية الرسمية في بريطانيا لتعداد السكان وتفاصيل ديمغرافية أخرى من ضمنها تعداد اتباع الأديان المختلفة. وكانت الصدمة لدوكنز أن نسبة من عرفوا أنفسهم أنهم مسيحيون حوالي 60% . وهنا شكك دوكنز في نتيجة الإحصاء الرسمي ودقته معللاً ذلك أن الكنائس لا يحضر فيها 60% من البريطانيين كل أحد. بمعنى آخر هؤلاء في نظر دوكنز لا يعرفون المسيحية بتفاصيلها ولا يذهبون إلى الكنائس بانتظام وبالتالي لا يجب تصديقهم حينما يعرفون انفسهم كمسيحيين. موقف دوكنز من مفهوم المسيحية مستمد من كتابات أمثال الأب لمعي. لكن الحقيقة أن من يدرس تطور المسيحية في أوروبا يعرف أن شكل المسيحية يختلف باختلاف تطور المجتمع البشري وظروفه التاريخية ولا يجب الحجر على اختيار شخص في أن يعرف نفسه انه مسيحياً لمجرد أن تعريفي يختلف معه، وهذا جوهر كتاب كول موريتون الذي شرح أن المسيحية صارت علاقة شخصية سلوكية أكثر من كونها ظاهرة اجتماعية (على طريقة الاب لمعي الذي كان يتباهى متفاخراً بكمية الصلوات وحشو الكنائس بالناس) في كتابه: Is God Still an Englishman?

حتى الناس الذين لا يعرفون انفسهم انهم مسيحيون فهذا لأنهم قيل لهم أن المسيحية لها ممارسة معينة فشعروا أنهم لا يجب أن يقولوا انهم مسيحيين، رغم أنهم كذلك. في حياتي هنا في بريطانيا أتذكر مواقف عديدة على ذلك. على سبيل المثال كنت ذات مرة اثناء عملي في لندن ذهبت مع زملائي للغداء وجاء الحديث إلى الدين. فقالت صديقة: كيف تعرفون أنفسكم دينياً؟ فقلت أنا أعتقد أني مسيحي. قالت زميلة جالسة إلى جانبي أنها لا تؤمن بالأديان لكنها تؤمن بالأرواح، صديق قال أنه Deist وأخيراً قالت صاحبة السؤال أنها ملحدة. بعد الغداء ذهبت معها إلى مكتبها وفوجئت بوجود إنجيل إلى جانب الكمبيوتر على مكتبها. بالطبع لم أسألها شيئاً لكن هي بادرت بالكلام وقالت لي أنها لا تستطيع أن تقول أنها دائماً تؤمن ، ولأنها قيل لها في الكنيسة أن تشككها من حين لآخر يجعلها غير مؤمنة وبالتالي غير مسيحية فقالت انها ملحدة، لكن أحياناً تجد تعزية وشعور بوجود الله حينما تقرأ كلمات يسوع … هذه الصديقة بالتأكيد واحدة من آلاف ممن عرفوا نفسهم في الإحصائية على أنهم لا دينيين (واللا ديني ليس بالضرورة ملحد).

الخلاصة هي إن الأمر أكثر تعقيداً ولا تجوز تعريفات مكان على مكان آخر. فإن كانت المسيحية هي الدين الطقسي الذي تكلم عنه الأب لمعي وأمثاله، فإن دوكنز محق، ولكن الواقع سواء في مسيحية المجتمعات الأولى (انظر لبحث فالتر باور ونقاشي له في التدوينة السابقة) وصورتها الآن في أوروبا فإن الوضع مختلف، وهو ما يسمى بال

Progressive Christianity. وهو المحرك خلف تقدم المجتمعات ، واحتقاره هو المفسر لتخلف وانحدار المجتمعات المحقِّرة له. كيف؟

مع تقلص الكهنوت في الغرب (وأقصد هنا الكهنوت الكاثوليكي ونفوذ رأس الكنيسة الأنجليكانية، ملك انجلترا) بسبب تقدم الجامعة في دراساتها التاريخية بزغ فجر عصر النهضة في أوروبا. في القرن الثامن عشر بدأت في ألمانيا حركة ما يُسمى بتاريخ الأديان Religionsgeschichte وبدأت الدراسات النقدية في أخذ خطوة هامة وهي دراسة المكون التاريخي والإجتماعي للمعتقد الديني. في بريطانيا بدأ التحرر من القيمة العقائدية إلى قضية الحق في طرح أسئلة حول ما حدث لأوروبا وما علاقة المعتقد المسيحي بذلك، مما أدى إلى تطوير منظومة استطاعت لاحقاً أن تستوعب المنتج العلمي (مثلاً كروية الأرض والنشوء والإرتقاء..إلخ).

كل ذلك مهد الطريق إلى ما أعتقد انه نتيجة طبيعية وهو البدء في إثارة التساؤل حول طبيعة إسهام المسيحية في حياة أوروبا النهضة والمستقبل. كان المنتج العلمي في ذلك الإتجاه شديد الغزارة ومع منتصف القرن التاسع عشر كان منتج هيجل وماركس في غاية الأهمية، إلا أن الأكثر إثراءً بل ويُعد مؤسس علم الإجتماع الديني بامتياز قد جاء في مطلع القرن العشرين وهو رائد علم الإجتماع الأكاديمي الألماني  ماكس فيبير Max Weber  الذي دوّن أحد أهم كتب القرن العشرين وهو the protestant work ethic and the spirit of capitalism.

تكمن أهمية الكتاب في كونه الدراسة الأولى والأعمق لدور المعتقدات المسيحية المختلفة (الطوائف الغربية) في صناعة المجتمعات الفاشلة والناجحة على أرض الواقع سواء في أوروبا أو في الدولة الصاعدة حينها، الولايات المتحدة الأمريكية.

إن أهمية كتابات تلك المرحلة لا تكمن في إثبات أو نفي قيمة المسيحية وإنما في فتح باب تقييم المسيحية (وغيرها من أيديولوجيات تيسّرت دراستها حينها) على أساس تأثيرها في الحضارة. لقد قرأت منذ زمن طويل الكتابات الرئيسية لماركس مثل The Capital و نقده لهيجل. ولكن كان أهمها في اعتقادي هو ما اكتشفته من حوالي شهر فقط، كتاب صغير (مجموعة essays) اشترك في اعدادها مع صديقه إينجلز ولم تُنشر قبل حوالي قرن من تاريخ كتاباتها، بل ونُشرت في موسكو سنة 1932 وليس ألمانيا. الكتاب يُدعى Die Deutsche Ideologie “The German Ideology” وهو كتاب رائع بحق وأضعه إلى جانب كتاب ماكس فيبير في قمة الأهمية.

يكفي أن أذكر نقطتين من كتابيّ فيبر وماركس، بدون دخول في التفاصيل فالأمر متروك لك للإستزادة:

النقطة الأولى: فيبر وضح أن إشكالية المنظومة الدينية الCultic الموجودة اليوم في التقليد تضع مفهوم الخلاص في نهاية مسار المؤمن ، أي أنه يتعبد ويجاهد..إلخ لكي يصل إلى الخلاص أو الجنة أو البعث. هذا الأمر أثر سلوكياً بالسلب على اقتصاد وسياسة المقاطعات والدول الأوروبية التي تبعت كنائس لها تلك التراتبية الفكرية. على النقيض، فإن قلب المنظومة في الإصلاح البروتستانتي في أكثر صوره راديكالية فيما يسمى بال Reformed Churches التي انتشرت في هولندا (التي أوجدت نيو أمستردام التي صارت بعد ذلك نيويورك في امريكا)، سويسرا واسكتلندا (لاحظ أن البروتستانتية طيف من المقاربات والمعتقدات.. مش كلها بالصورة النمطية المعروفة عند التقليديين عنهم) كان لها بالغ الأثر في صناعة ما يُسمى بال the Protestant Work Ethic الذي جعل اتباعه منتهين من مسألة الخلاص (أول التراك أو المسار) مما جعلهم يكتشفوا أثر ذلك على حياتهم العملية، فبات الشارع والمجتمع والنجاح في البناء والنهضة بديلاً للعبادة الطقسية الدينية في الكنيسة ونتيجة للخلاص وليس العكس، مما ساعد المجموعات التي انتشرت في أمريكا في صناعة نهضة صناعية وحضارية سريعة (بالطبع الدراسة المفصلة التي قام فيبير بها مفيدة). وبالتالي فإن هذه التراتبية العكسية في التفكير والسلوك أدت إلى تقدم عجلة الحريات والمفاهيم العملية في الدول البروتستانتية بمقابل تراجع الدين حتى سقط الأخير تقريباً وبقي نتاجه السلوكي وهو الأهم.

حاول، بعد قراءة الكتاب، أن تسأل هل يمكن أن يفسر هذا الأمر ظاهرة ثابتة وهي أن الدول الأكثر تخلفاً وفساداً هي الدول التي ينتشر فيها المعتقد التقليدي (أمريكا اللاتينية، شرق أوروبا). هل يمكن أن يكون طرح فيبير إجابة على ذلك؟ أود فقط أن أضع أمامك أيضاً إحصائية نشرتها الإيكونوميست حول كيف يقيم الأوروبيون (من الدول المختلفة) أداء دولهم :

 

لاحظ الإجماع على سلوك ألمانيا كأكثر الدول نظافة يد وعملاً بينما أكثر الدول فساداً وكسلاً هي اليونان وإيطاليا. لماذا؟

النقطة الثانية: من كتاب ماركس حول دور الطبقة الوسطى في صناعة مكونات الأيديولوجيا النهضوية في ألمانيا. في هذه الطبقة هناك حلول بديلة للمثالية النظرية على مستوى مادي والتي تؤدي بدورها إلى إيجاد بدائل للنظم الدينية والطبقية لدفع عجلة التقدم الحضاري.

وجهة نظري:

كاستنتاج لما سبق وذكرته، فإني كأكاديمي معني بقضية طبيعة نشأة المسيحية ويسوع التاريخ فإني لا أجد أن المنظومات العقائدية المختلفة هي الجوهر للعامل الديني المسيحي المؤثر على سلوك المجتمعات سابقاً، وإنما قدرة تلك المجتمعات على طرح أسئلة يُراجع فيها موقف المؤمن من أشد أساسيات ايمانه رسوخاً، وهو ما يُسمى بال revisionism . ليس مفاجئاً أن يعاد النظر في حقيقة شخص ورسالة يسوع التاريخ منذ القرن الثامن عشر بالتزامن مع التغيرات الإجتماعية-الدينية في المنطقة. وعليه، فإني أجد أن يسوع التاريخ هو ببساطة القوة المحركة لتلك الحضارة لأنه ببساطة جسّد المفهومين السابقين واللذين في اعتباري هما ماكينة حركة النهضة في أوروبا. فيسوع في تعليمه عن حضور ملكوت الله لم يترك منظومة دينية وإلا عكسها. فكانت المغفرة للزاني والعشار والمهمشين لأسباب يعتقدون انها خاصة بالخطية سبقت الطريق نحو ما يعتقده اليهود خطوات التطهير نحو الحصول على رضا الله. في جحيم يأس الخاطئ، كان يسوع يدعوه لمشاركة مائدة الملكوت  منتهياً من القضية التي تقيّده نفسياً واجتماعياً ألا وهي الشعور بأنه خاطئ ومنبوذ من الله وشعبه. لقد كانت قدرة يسوع المفجّرة للشفاء متجسدة في إسقاط الأحمال النفسية والإجتماعية المتروكة على كاهل معظم أفراد مجتمع حينما قلب التراتبية الدينية التقليدية وجعل الفعل الحسن في الحياة ليس مقايضة للملكوت بل نتيجة وفعل وسلوك طبيعي ناتج عن التحرر من نير الأعباء السابق ذكرها. لهذا فقد قدم يسوع كلمات صلاة الأبانا كبديل (وفي إشارة واضحة) للمنظومة المفصلة لصلاة الهيكل ، وقدّم الإنسان على السبت ، ونسخ الشريعة واضعا الإنسان فوقها.

هذا يفسر لماذا المجتمع المسيحي أخذ في الإنتشار سريعاً وقام في أوائل أيامه على تعاليم يسوع أو أقواله عن المغفرة والمساواة (مجموعة Q) التي شكلت سريعا مجتمعات منتشرة في بقاع الأرض لأن هم العبيد والمساكين والخطّائين في كل الأديان والمذاهب في العالم حينها واحد وما أجمل أن تنضم لمجتمع يضعك في المقدمة لابساً ثوباً أبيضاً ليتركك تنتج وتهنأ بحياتك دون كنيسة أو معبد يقمعك في طريق معين وأنت في شكوك وخوف وترنح بين الأمل واليأس عن مستقبلك.

هذا بدوره صبّ في النقطة الثانية (ماركس) والتي تجلت في كسره لكل حواجز الطبقية بمائدة الشركة التي أجلس فيها العشار والزاني والغير معروف الأصل بل والأممي مع الأكثر تديّناً وطهراً، بل وغنىً. من يدرس سلوك يسوع المناوئ للطبقية الإجتماعية يعرف لماذا صُلب أخيراً ولهذا فلم يكن من الصدفة أن زيادة معرفتنا عن حياة المجتمعات في حوض البحر الأبيض في القرن الأول جعلتنا نطور ما يُسمى بالتفسير الماركسي للأناجيل على أساس المعطيات التاريخية ( انظر Marxist hermeneutics)

في هذه التدوينة تكلمت عن

1- المسيحية ليست فقط في الإطار الديني الطقسي كما يظن الاب لمعي وعنه ريتشارد دوكنز.

2- هذه المسيحية (الأخرى) في أوروبا هي محرك رئيسي في التقدم الأخلاقي، الإجتماعي والعلمي في أوروبا ، بمقابل التخلف الموجود خارجها. وبالتالي لا داعي للأب لمعي أن يحقِّر منها.

3- هذه المسيحية ليست منتج غريب او جديد وإنما انعكاس للمسيحية المبكرة التي نشأت في القرن الأول ولم يكن لديها أدوات السلطة الموجودة في الكنيسة التقليدية وبالتالي هي أكثر تأصيلاً (وليست بدعة).

في التدوينة القادمة سأجيب عن أكبر إشكالية في المنظور التقليدي الشرقي للمسيحية الغربية: التعريف النمطي الخاطئ بفداحة لكلمة بروتستانتية والذي يخلط بين البروتستانتية الأمريكية المنتشرة في مصر وهي البروتستانتية المحافظة الأكثر أصولية من الكنائس التقليدية، وبروتستانتية اوروبا التي كانت محرك دافع لنهضة الحضارة.

تحياتي

مينا

VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 8.8/10 (17 votes cast)
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: +6 (from 10 votes)
البروتستانتية (1) المسيحية الاخرى, 8.8 out of 10 based on 17 ratings

Comments are closed.


December 2017
M T W T F S S
« Nov    
 123
45678910
11121314151617
18192021222324
25262728293031