Categorized | Home

اللاهوت الأرثوذكسي(1) بين الماضي والمستقبل

ماذا أكتب؟

أكتب اليوم كشاب مصري من يعبر عن واقع خبرته وليس لهذا علاقة بدراساته اللاحقة، وهذا لكي أشارك بخبرتي خبرات شباب كثير من القراء في اللاهوت بحرية اليوم.

عودة بعد انقطاع

.بعد ما يقرب الثمانية شهور من الإنقطاع عن الكتابة يعود الموقع مرة أخرى. السبب في هذا الإنقطاع هو حدوث عطل فني في الموقع بعد هجمتين عليه مما تسبب في فقدانه لفترة ثم مع عودته كنت قد انشغلت بشكل كبير في الدراسة والتزامات أكاديمية أخرى.

قبل الحديث في موضوع اليوم أود فقط أن أنوّه للأعزاء ممن يمضون وقتهم في إيجاد وسائل تقنية لتعطيل موقع لأنهم يختلفون مع محتواه: لن أقول لك إن هذا “عيب وحرام..إلخ” لكن دعني أسألك: إن كنت بالفعل تؤمن بما تؤمن به من معتقد يخالف تدويناتي المتواضعة المكتوبة لعدد محدود من القُرّاء، هل تعتقد أن مثل هذه التدوينة يمكن أن تهدد معتقداتك الراسخة إن كنت بالفعل تؤمن برسوخها؟ أم لأنك تشعر بمدى ضعفها وهشاشتها فهذا يدفعك لأن تقوم بعمل عدواني كهذا؟ أنا يا عزيزي أكتب في هذه المدونة لا لأن أدحض معتقداً لصالح آخر بل إني أتكلم عن تقبل وتعايش مختلف الرؤى معاً وهذا ما أسميته بالعوالم المتوازية. فحاول أن تتصالح مع نفسك أولاً ومع معتقدك ثانياً قبل أن تأخذ رد فعل عدواني لا طائل منه. كونك تثق في لاهوتي معين انتقدت كتاباته هنا أو بطريرك …إلخ فهذا كله لن يقلل من شأنهم بل أفعالك هي التي قد تقلل من شأنِهم.

فكِّر.

اللاهوت الأرثوذكسي، أي لاهوت؟

حينما تذهب إلى كاتدرائية ويستمنستر في وسط لندن (هي الكاتدرائية التاريخية التي يتم فيها كل المناسبات الملكية من تنصيب الملوك والزيجات والجنازات)  فإن أول ما يقابلك أيقونتا الضابط الكل ووالدة الإله وأمامهما طاولة للشموع (انظر صورة المقال). في كامبريدج، تجد أيقونات روسية في أقدم كنيسة (القرن العاشر) في المدينة وهي كنيسة Saint Benet. ما الذي يجعل كنيسة بروتستانتية، وإن كانت تقليدية، كالكنيسة الأنجليكانية تزين كنائسها القديمة بأيقونات أرثوذكسية؟ من يدرس التاريخ الدموي للصراع الكاثوليكي البروتستانتي في بريطانيا منذ القرن السادس عشر يفهم أن حضور الأيقونات ليس صدفة وليس له جذور تاريخية وإنما توجه يستحق التقصي والفهم.

الأيقونات في الكنائس الأنجليكانية والكاثوليكية حديثاً هو تجسد للتقارب والعودة للاهوت الأرثوذكسي. قد يفاجئك كلامي ولكن علينا أن نتناقش أولاً في معنى اللاهوت الأرثوذكسي لأن البعض يعتقد أنه مُسلّمة من المسلّمات وأن الجميع يتفق على معنى الإصطلاح. في رأيي الشخصي اللاهوت الأرثوذكسي هو اللاهوت المسيحي في بساطته ومرونته، ولذلك لا يجد الأنجليكاني (مثل توم رايت وغيره) غضاضة في الدفاع عن أصالة مفهوم الفداء الأرثوذكسي (سنتحدث عن ذلك لاحقاً) في بساطته. تأتي البساطة من كون تركيز اللاهوت الأرثوذكسي على خطوط وملامح عامة دون وضع بنود أو مجامع لتحديدها بشكل يقتلها ويمنعها من الحركة أو التنفس. كيف؟

منذ حوالي 10 سنوات ابتدأ اهتمامي باللاهوت. كنت في كلية الهندسة وكان اهتمام بالعلوم الطبيعية والإنسانية قد ازداد هناك وحينها قررت أن أكرس عطلات الصيف لدراسة اللاهوت. أول ما اقتنيت من كتب كانت سلسلة كتابات البابا شنودة. ما تعلمته منها حينها هو أن اللاهوت الأرثوذكسي (حسبما قدمه لي البابا شنودة) مرتبط بممارسات وطقوس سلمها يسوع وأن الشموع والشفاعة وعدم دخول المرأة للهيكل أمور خلاصية كخلاصية الإعتقاد في التجسد والثالوث. كنت حينها أعيش في حي الزيتون حيث كنيسة عذراء الزيتون ذائعة الصيت. كنت أحضر اجتماعاتها وأمارس الأسرار هناك وكانت كتابات البابا شنودة ومفاهيمه العقائدية و كتالوج أو منظومة اللاهوت الأرثوذكسية المكتملة الأركان تمارس قولاً وفعلاً سواء في الليتورجيا والإعتراف والاجتماعات الروحية.

على نسق ما يُسمى باللاهوت اللوثري، كان هناك لاهوتاً شنودياً يحمل كل جوانب وتفاصيل الحياة ولا يترك للفرد عناء التفكير في وضع بصمة خبرته، وبالتأكيد فهمه وإدراكه للأمور. لم يستغرق الأمر طويلاً حتى اكتشفت أن المنظومة المُحكمة التي قدمها البابا شنودة لا تعكس بالطبيعة اللاهوت الأرثوذكسي وأن قصص تسليم يسوع للطقوس ووجود “اثباتات كتابية” على كل شيء مهما كان صغيراً ليس واقعي. لا يعني هذا أن منظومة اللاهوت القبطي التي قدمها البابا خطأ أو صح.. هي ببساطة وليدة زمن غير الزمن الذي ننتمي إليه، فهي وليدة النقل عن كتابات العصور الوسطى حيث كانت الأرض مستوية وآدم وحواء قد تركا جنة عدن بالحقيقة والكتاب الذي يحرم ترجمته إلى غير اللاتينية. لهذا لا يمكن أن يكون هناك توافق بين لاهوت البابا شنودة مثلاً واللاهوت الوسيط في أوروبا لأنهما بدائل لبعضهما.

أما اللاهوت الأرثوذكسي عامةً فكان لي لاهوتاً مرناً بمعنى أنه يترفع عن التحديدات القاتلة لديناميكيته، تلك التحديدات التي تنتج عن الأحداث والظروف التاريخية المتعاقبة. ابتدأت القصة معي سنة 2004 حينما قرأت كتابين عن نظرية التطور التي بالطبع تشيطنت في اجتماعات كنيسة عذراء الزيتون. ما أثار الموضوع عندي كان مقالاً في احدى الصحف عن توالي اعتراف الكنائس الغربية بقيمة التطور وعدم تعارضه مع التعليم المسيحي عن الخلق. الأمر كان، كأي مسيحي شرقي، ليس بالهين ويحتاج قراءة هادئة لأن التبعات على اللاهوت خطيرة: فإن كانت قصة الخلق غير تاريخية كما تلقيناها فهذا يعني  أن التأثير الكوزمولوجي للسقوط (اللعنة والموت..إلخ) غير حقيقية وههذا يعني أن الصليب أيضاً قيمته مشكوك فيها.

لم يمضِ وقت حتى توفر لدي دراسات كتبها بانايوتيس نيلاس كان لها أهمية كبرى وهي عن لا مشروطية التجسد. قدم نيلاس، وحسبما أتذكر فلوروفسكي، تقاليد وقراءات قديمة للرسائل البولسية (مثل كولوسي) عن أن فعل الله وعمل حبه (الذي تجلى في التجسد) ليس رد فعل للسقوط. بالطبع نيلاس لم يكن يتكلم ويقدم لاهوتاً بديل في ضوء نظرية التطور وهذا ما أحببته في الدراسات التي قدمها لأن المسيحية بالفعل لم تقدم قراءة وضع الله في خانة رد الفعل على طول الخط. هو قدم قراءات أقدم بكثير من اشكالية التطور. بل إن هذا التقليد لم يكن غريباً على كُتاب غربيين مثل John Duns Scotus .

رغم إن اللاهوتيين الأرثوذكس امثال المذكورين سابقاً لم يتعرضوا لقضية التطور، تكلموا بأريحية وصراحة عن اللاهوت المسيحي المتجرد من الشروط والظروف التاريخية وقدموا لاهوتاً أكثر مرونة وديناميكية من كل ما قدمه الغرب من كليشيهات عقائدية مرتبطة بظروف تاريخية. في مثل هذا العام قرأت دراسة جوستاف أولَين Christus Victor (وهو بالمناسبة أسقف في كنيسة السويد اللوثرية) والتي قدمت نظريات الفداء الأربعة الرئيسية موضحاً فيها أن القراءة الأنطولوجية لعمل الله الغير مشروط بالظروف والمستجدات التاريخية هي الأكثر أصالة واتساعاً لتقبل واستيعاب الرؤى الأخرى التي هي جُزئية إذا ما قورنت بشمول رؤية المسيحية لله التي تتجاوز تعاقب الحضارات والألفاظ والإصطلاحات والأديان. وهذا يعني أنها ليست “بديلاً” لأنها أشمل وأوسع وتجعل نظريات كالكفارة البديلة وغيره مجرد تعبيرات تاريخية جزئية. فالفارق بين رؤية أن الله هو الحياة التي تأتي وتقدس الوجود أشمل من تعبيرات جزئية وليدة ثقافات مؤقتة في التاريخ كالكفارة بالترضية المرتبطة بنظام الإقطاع في أوروبا القرن الحادي عشر. فإذا نظرت لنظرية الكفارة ستجدها أكثر تحديداً في ملامحها لكن هذا يعني أنها محدودة ولا يمكن أن تكون بديلاً لرؤية عمل الله في الوجود نفسه. لهذا، فإن العودة للرؤية الشاملة الأنطولوجية لعمل الله والتي تتجاوز خلافات التعبيرات لا تفاجئني حينما أجدها في كتابات كبار اللاهوتيين الغربيين مثل يورجن مولتمان، باننبيرج، توم رايت وغيرهم.

هذا هو لُب لاهوت الأيقونة التي تتجاوز الظروف التاريخية لتضع صورة وحالة القديس أو المسيح في وضعه الحالي الإسكاتولوجي الممجد.. المؤلَّه وليس كجزء من قصة تاريخية محدودة.. انه الوجود كما انت مدعو لتشارك فيه مما يجعل الصراع في القرن الثامن حول الأيقونات ليس مجرد صراع في ممارسة ما وإنما في رؤية كونية : هل الله يعمل في الخليقة أم لأنه منزه يجب أن نقصيه من عالمنا؟ هكذا أيضاً الصراع بين بالاماس وبرلعام في القرن الرابع عشر، لم يدافع فيه بالاماس عن مجرد ممارسات رهبانية (الهدوئية) ولكن عن حقيقة عمل الله المباشر في الكون وليس من خلال وسيط مخلوق (النعمة المخلوقة) سواء كانت قنوات الكنيسة أو غيرها. وبالتالي يكون صراع بالماس مع برلعام صراعاً بين الإنفتاح على الكل أمام الإنغلاق.

حتى على مستوى الأسرار. لأن الله عمله سري ولا يحتاج لقنوات مادية تحدده لم تشغل الكنيسة بالاً لتحديد عدد الأسرار ولم تُجب على طبيعة حضور الله في سر الإفخارستيا، وهو أمر هام أسهب في شرحه الأب مايندورف مما يجعل الأرثوذكسية أكثر تحضراً، اتساعاً ومرونةً في الوقت الذي قدمت فيه الكنيسة الكاثوليكية شروحات أرسطية بل وحاكمت وآلمت المسيحيين وأعدمتهم (وأحرقتهم أحياء) ولم يتم تدجينها إلا بعصا العلمانية الغليظة. كذلك مفهوم الكهنوت المفتوح للقراءة والفهم وليس محدوداً منغلقاً وهذا يجعل الكنيسة الأرثوذكسية قريبة من الكاثوليكية والبروتستانتية معاً. لم تكن الكنيسة الأرثوذكسية جزءًا من هذه الإشكاليات التاريخية ولا يجب أن تكون طرفاً فيها أو أن تحمل وزرها.

إن الكارثة هي حينما خضع اللاهوت للكنيسة وليس العكس: حيث انتقلت الأرثوذكسية من حالة أسبقية الطائفية predenominational إلى أن صارت طائفة من عدة طوائف كرد فعل للتقسيمات الموجودة. فبسبب النزاعات الطائفية حول الأسرار..إلخ صارت الكنيسة ملتزمة أن تضع لنفسها حدود ومفاهيم محددة في التفاصيل والدقائق حتى بنت منظومة مكافئة للمنظومات العقائدية الموجودة حولها. أتذكر أني حينما قرأت حوار بطريرك الكنيسة القسطنطينية جيريمياس مع لاهوتيي أوجسبورج (اللوثريين) في حدود العام 1557 كانت اجاباته الضعيفة المتحولة إلى خطاب كاثوليكي كرد فعل للخطاب اللوثري سبباً وجيهاً في فشل الحوار وضعف وشلل الكنيسة الأرثوذكسية تباعاً.

لاهوت الحرية: أرثوذكسية ما بعد الكنيسة

إن اللاهوت الأرثوذكسي هو لاهوت الحرية، الإنفتاح والمسكونية ولا يضاهيه أي لاهوت آخر في نقائه وانفتاحه على استيعاب كل شيء. إن البساطة في إعلان الله هو الحرية في البحث والدراسة في التفاصيل. ولذلك فإنه اللاهوت الأكثر استعداداً لتوفير مناخ يسمح بتعددية فكرية داخله. هذا ينبع من بساطته التي قد تُلام أحياناً عليها بسبب ظن الكثيرين أن التحديد والتعقيد في التركيبات يؤدي إلى لاهوت “عميق” … إن العمق كمنتج subjective هو السبب في الخلافات لأنه ليس له وجود إلا في عقول صانعيه ممن يحتاجون ما يريحهم أو يرضي شيئاً في داخلهم بدلاً من البحث عن الواقع.

أن يكون اللاهوت الأرثوذكسي هو ببساطة اللاهوت المسيحي: مهتما بمسألة الحياة والخطوط العامة التي أعلنها يسوع (ملكوت الله وأبوته) ، فهذا يجعله لاهوتاً “حقيقياً” وليس منتج معقد لكنائس مختلفة. إنه لاهوت قابل على تجاوز القوالب الميثولوجية ومنزوع منها (بحسب تعبير بولتمان) ولهذا نجده مشاراً إليه في كتابات للاهوتيين نقديين سواء على مستوى اللاهوت النظامي (باننبرج في اشاراته لزيزيولاس) او الدراسات النقدية للعهد الجديد (سي اتش دود). بهذا نفهم أنه اللاهوت الحر الذي يمكن أن يكون لاهوت التعددية وواللاهوت الذي لا يصطدم بالدراسات النقدية الحديثة التي هدمت اللاهوت النظامي المعقد للكنائس المختلفة.

لذلك فإن مكان اللاهوت الأرثوذكسي، كما أراه، في الغرب داخل الكنائس التي تفتقد له وليس الكنيسة الكنيسة الأرثوذكسية التي استبدلت مكانها مع الكنائس الإصلاحية وصارت هي الدوجماطيقية التي تقدم القوالب العقائدية الجامدة  (كاللاهوت الشنودي) وترفض التطور والحداثة بسبب ذلك. فبدلاً من بساطة اللاهوت الذي قدم الله أباً ومصدراً للحياة ، صارت تعقيدات كوجوب ذكورية الكهنوت وأهمية التشديد على استحالة الخبز والخمر ..إلخ عقائد وقوالب . السبب في ذلك هو التأخر الطبيعية (حوالي 500 سنة) بين الغرب والشرق حيث يعيش الشرق حال الغرب في كل شيء (بما في ذلك العلوم الطبيعية) مرحلة ما قبل عصر النهضة Enlightement.

منذ عدة أعوام كنت أحضر مؤتمراً في جامعة أكسفورد والتقيت بفيلسوف وأستاذ في جامعة أكسفورد اسمه Richard Swinburne . الرجل صار أرثوذكسياً وهو مثلي لا يرى الأرثوذكسية مرتبطة بالكنيسة وإنما اللاهوت نفسه الذي لا تخضعه النظم المتخلفة التي أخضعت اللاهوت للممارسات الطقسية وحولت المسيحية ل Cultic religion وأساءت للأرثوذكسية بتحديدها لكل شيء (رافضةً الخروج للحرية والتعددية التي من صميم طبيعة بساطة لاهوتها الحر) بوضع كل القيود على كل شيء (الرجل فقط كاهن، المثليين شياطين..إلخ )

المستقبل إذاً يتجاوز تعقيدات التاريخ والتراكمات الفلسفية التي آذت المسيحية في بساطتها وحولتها إلى منظومة مفتعلة ترضي تطلعات صُنّاعها.

وأرى بوضوح أن النهضة الشديدة في الدراسات النقدية التي أزالت تراكمات التقليد العقائدي والعودة لإنجيل الملكوت هي البوابة للاهوت الأرثوذكسي الي يتبناه غربيون يعرفون أنه في بساطته يعكس رسالة يسوع التاريخ. وأشدد على كلمة يسوع التاريخ.

VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 6.4/10 (5 votes cast)
VN:F [1.9.22_1171]
Rating: 0 (from 0 votes)
اللاهوت الأرثوذكسي(1) بين الماضي والمستقبل, 6.4 out of 10 based on 5 ratings

Comments are closed.


December 2017
M T W T F S S
« Nov    
 123
45678910
11121314151617
18192021222324
25262728293031